سهيلة عبد الباعث الترجمان
463
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فما عبد إلّا هو ، وما اعتقد إلّا به . وقد جعلها ابن عربي ضرورة ملزمة ، وإلّا فإن خلو الدين من عقيدة لا صحة له يقول : " فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إليه ، ويطلبه فيها . فإذا تجلى له الحق فيها أقرّ به ، وإن تجلى له في غيرها أنكره وتعوّز منه ، وأساء الأدب عليه في نفس الأمر . فإنه يقول : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » ، ووجه الشيء حقيقته " « 2 » . ولما كان الاعتقاد بعقيدة ضرورة ملحّة ، كان لكل شخص اعتقاده الخاص به ، يستمده من النظر في نفسه ولا يشترك في هذا الاعتقاد مع غيره ، إذ أن الأمر نسبي ، فما يعتقده زيد في معبوده من وجهة نظره الخاصة يختلف عما يراه عمرو في معبوده الذي يعتقده ويعبده . وقد حدد لكل فرد عقيدته فقال : فكل عقد عليه شخص * يحلّه في سواه عقد « 3 » فقوله هذا لا يحتّم وحدة الاعتقاد لدى الجميع ، فهم متنوعون في اعتقادهم متباينون بل هم مختلفون فيه ، كل له توجه ونظر خاص يحتّم عليه اعتقاده بما يراه . وهكذا تنوعت الاعتقادات وتباينت ، ولكنها جميعها تصب في معتقد واحد هو الاعتقاد باللّه الواحد الذي لا يشاركه شيء في وحدته . ويفسر أبو العلا عفيفي هذه الصور من الاعتقاد الفردي لدى كل شخص بأنه اعتقاد خاص بكل فرد مستمد من النظر في نفسه ، ولهذا اختلفت الاعتقادات في الأديان باختلاف الأنفاس ، كما اختلفت الأرباب أيضا ، ولكن بالرغم من كل هذا الاختلاف ، فالاعتقادات كلها صور من معتقد واحد ، كما أن الأرباب كلها صورة في مرآة رب الأرباب « 4 » . لكن ابن عربي في الواقع قد ربط بين الاعتقاد والمعرفة باللّه لأنها مصدر الاعتقاد ، فبقدر تعدد أنواع المعرفة باللّه تعددت المعتقدات فيه ، فهو يرى أن كل صنف من أصناف البشر لا يمكنه الجهل بخالقه ، ولا بد له من معرفته من أي وجهة شاء أن يتعرّف إليه ، وهذا التعدد لوجوه المعرفة هو في آن واحد تعدد للمعتقد الذي استخلصه
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 113 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 93 . ( 4 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 93 .